عن الكرسي
يُشير مصطلح الجينوم إلى مجمل المادة الوراثية التي يحملها الكائن الحي، والتي تتضمن المعلومات اللازمة لبناء الخلايا وتنظيم وظائفها والمحافظة على استمراريتها. وقد أسهم اكتمال مشروع الجينوم البشري في إحداث نقلة نوعية في فهم التركيب الوراثي للإنسان، وأظهر أن البشر يتشاركون في الغالبية العظمى من تسلسل الحمض النووي، في حين تمثل الاختلافات الجينية نسبة صغيرة فقط من الجينوم. وعلى الرغم من محدودية هذه الاختلافات من حيث الحجم، فإنها تسهم، إلى جانب العوامل البيئية ونمط الحياة، في تشكيل جانب مهم من التنوع البشري، بما في ذلك الاختلاف في بعض الصفات الظاهرية، والاستعداد للإصابة بالأمراض، والاستجابة للأدوية والعلاجات المختلفة.
وتوجد نسبة كبيرة من الاختلافات الوراثية بين الأفراد في صورة متغيرات جينية موروثة، قد تنتظم ضمن مجموعات مترابطة تُعرف باسم الأنماط الفردانية (Haplotypes). ويختلف تواتر هذه الأنماط بين المجموعات السكانية المختلفة نتيجة لعوامل تاريخية وديموغرافية ووراثية متعددة. وتكتسب دراسة هذه الاختلافات أهمية خاصة لما قد تحمله من معلومات تساعد في تفسير التباين بين الأفراد والمجتمعات في الاستعداد للإصابة ببعض الأمراض المعقدة.
وقد شكّل المشروع الدولي لخريطة الأنماط الفردانية (International HapMap Project) إحدى المبادرات العالمية المهمة لفهم أنماط التنوع الوراثي البشري وتوزيع المتغيرات الجينية بين مجموعات سكانية مختلفة. وأسهم هذا المشروع، إلى جانب المشروعات الجينومية اللاحقة، في توفير أساس علمي واسع لدراسات الارتباط الجيني والأمراض. ومع ذلك، ظل تمثيل عدد من شعوب منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي محدوداً في كثير من قواعد البيانات الجينومية العالمية، الأمر الذي أبرز الحاجة إلى تطوير دراسات ومبادرات جينومية وطنية وإقليمية تعكس الخصائص الوراثية لهذه المجتمعات بصورة أكثر دقة.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية أبحاث الجينوم في المملكة العربية السعودية، والتي تهدف إلى توصيف التنوع الوراثي لدى السكان، وتحديد المتغيرات والأنماط الجينية الشائعة، ودراسة أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين المجموعات السكانية الأخرى. ومن شأن بناء قواعد بيانات جينومية وطنية موثوقة أن يسهم في تعزيز فهم التركيب الوراثي للمجتمع السعودي، ويدعم موقع المملكة في مجالات الطب الجينومي والطب الدقيق.
ويمتد مجال أبحاث الجينوم كذلك إلى علم الجينوم المقارن (Comparative Genomics)، الذي يعتمد على مقارنة الجينات والجينومات بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى بهدف فهم وظائف الجينات وتطورها والآليات الجزيئية المرتبطة بالتكيف مع الظروف البيئية المختلفة. وتتميز المملكة العربية السعودية بتنوع بيئي وحيوي واسع، وتضم أنواعاً متعددة من النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة التي تمتلك خصائص فسيولوجية وقدرات تكيفية متميزة مع البيئات الصحراوية والجافة والمالحة ودرجات الحرارة المرتفعة. ومن شأن دراسة جينومات هذه الكائنات أن تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسس الجزيئية للتكيف، والاستفادة منها في مجالات الطب والتقنية الحيوية والزراعة وحماية التنوع الحيوي.
وبذلك تمثل أبحاث الجينوم منصة استراتيجية تجمع بين البحث الأساسي والتطبيقات الطبية والبيئية والتقنية الحيوية، وتسهم في بناء معرفة جينومية وطنية يمكن توظيفها في تحسين صحة المجتمع، وتعزيز الطب الدقيق، ودعم الابتكار العلمي، والاستفادة من التنوع الحيوي الفريد الذي تتميز به المملكة العربية السعودية.